وثيقة حول المواطنة والدولة

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

حرصا من المعهد الموريتاني للدراسات الاستراتيجية على أداء المهمة الموكلة إليه – من يقظة استراتيجية، وإنذار مبكر ، ورصد للتحولات الاجتماعية، والمخاطر المحتملة – نظم حلقة نقاش فكرية  بتاريخ 26 يوليو 2022  تحت عنوان : المواطنة والدولة، حضر الحلقة عدد من الخبراء، والباحثين، وقادة الرأي، من مشارب مختلفة وخلفيات متنوعة، وقد تناولت هذه الحلقة موضوع المواطنة والدولة من زوايا متعددة، تشخيصا واستشرافا، وتقديما لبعض المقترحات والآليات العملية.

واستئناسا من المعهد بالتوجهات التي ظهرت في حلقة النقاش، واستحضارا منه لما ورد في حلقات فكرية سابقة، واعتبارا للسياق الإقليمي والدولي المستجد، فقد ارتأى أن يعد الوثيقة التالية  لعلها تفيد قادة الرأي والفاعلين السياسيين والإعلاميين في توجيه وتسديد المواقف والمقاربات العمومية والمدنية وتساعد النخبة في قيادة شعبنا إلى مزيد من التقدم والانسجام:

  1. منطلقات نظرية :

هناك منطلقات نظرية لا بد من استحضارها وترسيخها، وهي:

  • أن الدولة الوطنية الجمهورية خيار لا غنى عنه، ولا مهرب منه، ولا بديل له.
  • أن الغاية من وجود الدولة هي تحقيق الامن والسلم للمواطنين، وتوفير ما أمكن من الرفاهية لأكبر عدد ممكن منهم.
  • أن تكريس فكرة الدولة بصفتها هي التجسيد الموضوعي للكيان الجماعي المشترك في مقابل الهويات الخصوصية عمل تربوي يجب أن تقوم به مختلف مؤسسات الدولة، ويشترك فيه قادة الرأي من الإعلاميين والمفكرين والمرجعيات الدينية، والزعماء السياسيين، وهيئات المجتمع المدني.
  • أن المواطنة حق ثابت يضمن لكل مواطن موريتاني التمتع بحقوق لا يمكن المساس بها، وواجبات يتعين عليه القيام بها إما باختياره الحر، وإما بسلطة الإكراه المشروع الذي تحتكره الدولة.
  1. الإشكالات والعوائق التي تعترض تجذر قيم المواطنة المتساوية :

ومن أهم الإشكالات والعوائق التي تعترض تجذر المواطنة:

  • عدم إيمان المواطن الموريتاني بفكرة الدولة، وما يقتضيه ذلك من احترام لمؤسساتها وقوانيها، وولاء لها، وغيرة على سمعتها، وحفاظ على ممتلكاتها ( بسبب أن الدول لم تنشأ في بلدنا نشأة طبيعية، وإنما فرضها الاستعمار على المجتمع فرضا ) .
  • غياب البناء الاستراتيجي للدولة بسبب ضغط التسيير الآني المستعجل، والأزمات غير المتوقعة كالجفاف، وغيره من الأزمات التي واجهت الأنظمة المتعاقبة، ولم تترك لها فرصة مناسبة لرسم توجهات مستقبلية على جميع المستويات المتوسطة والبعيدة، مبنية على دراسات علمية دقيقة.
  • الاختلالات والتحديات التي واجهت النظام التعليمي، وأثرت على إسهامه في توطيد قيم المواطنة، وتعزيز قيم العيش المشترك، و تحقيق الاندماج المنشود بين مكونات الجسم الوطني.
  • تراجع وتقلص دوائر الاندماج الوطني واستفحال النزعات الهوياتية الخصوصية التي تتغذى من مشاعر الغبن والإقصاء والتمييز الاجتماعي، ويذكيها أعداء الوطن.
  • توجهات استراتيجية كبرى

للخروج من هذا الوضع: يقترح المعهد تبني ثلاث توجهات استراتيجية كبرى، هي:

  • نشر وتشجيع قيم الإسلام المتفق عليها بين جميع مكونات المجتمع الموريتاني ، من حيث هي الحاضنة الانتمائية والثقافية التي تضمن وحدة المجتمع، واحترام نظمه التشريعية والقانونية.
  • بناء توافق مجتمعي يقوم على القواسم المشتركة التي يجب أن تكون هي الفيصل بين نخبنا السياسية والفكرية. وهي :(الحفاظ على  السلم الأهلي، وصيانة الحوزة الترابية ، والتمسك بوحدة الشعب، والدفاع عن مصالح الدولة الاقتصادية)
  • وضع سياسات متكاملة لتقريب المرفق العمومي من المواطن، وهو ما من شأنه أن يسهم في تعزيز ولاء المواطن ا للدولة، ويقضي على الشعور العام لدى المواطنين بأن الإدارة لا تصون مصالحهم الحيوية ولا تؤمن الخدمات لهم بانسيابية وشفافية .
  1. مجموعة من المقترحات والآليات العملية

من أجل تجسيد هذه التوجهات الاستراتيجية، حدد المعهد مجموعة من المقترحات والآليات العملية، من أهمها:

  • إصلاح النظام الإداري وفق متطلبات الشفافية وسهولة نفاذ المواطن إلى الخدمة العمومية
  • منح أولوية قصوى للمنظومة التربوية من حيث هي مصنع العقل والوعي ، ومحور إنتاج الثقافة المشتركة ،ومصدر ودعامة السردية الوطنية، واعتماد إجراءات فعالة في هذا الاتجاه من قبيل إحياء المدرسة العمومية وفرض احتكار الدولة للتعليم الأساسي، وتوحيد المقررات والنظم التربوية وتوحيد الزي المدرسي وفرض الخدمة العسكرية والمدنية على الطلبة والشباب.
  • ربط المواطنة السياسية بالمواطنة الاجتماعية، في إطار القوانين والنظم التي تعبر عن مصالح المواطن الملموسة ، بما يتطلب تكريس آليات تكافؤ الفرص والشفافية – على غرار توفير التأمين الذي قامت به الدولة مؤخرا – وعدم التحيز في تسيير الشأن العمومي، وتقريب الإدارة من المواطنين من خلال الترتيبات العملية الناجعة (وضع لوائح ارشادية تحدد معايير وآليات النفاذ للخدمات العمومية وتسهيل قنوات اتصال المواطن بمسؤولي الإدارة، وطرق التظلم )
  • العمل مع مختلف القوى السياسية والمدنية على تحديد الثوابت الكبرى التي على الجميع التشبث بها كسقف للإجماع الوطني يتجاوز كل التجاذبات السياسية والصراعات الآنية، ومن هذه الثوابت : القيم الإسلامية، و النظام الجمهوري ، والديمقراطية التعددية .ونبذ العنف، والاستقواء بالأجنبي..الخ
  • اعتماد منهج الحوار والتشاور أداة دائمة لحل مشاكلنا وتسيير اختلافاتنا الداخلية.
  • رفض منطق المحاصصة والتمثيل على اساس هوياتي لأنه يكرس الانتماءات الضيقة المنافية والطاردة لفكرة الدولة الوطنية الجمهورية ، وينافي سياسة المساواة والعدالة الاجتماعية القائمة على تكافؤ الفرص .
  • تدعيم دوائر الاندماج الوطني الفاعلة في القطاعات الحيوية ومعالجة الاختلالات الملموسة في هذه القطاعات .
  • تعزيز صلاحيات وقدرات التجمعات المحلية واشراكها في السياسات والبرامج التنموية ، وفق خصوصيات مناطق الوطن ، وضمن رؤية تكاملية اندماجية فاعلة.تخلق أقطابا تنموية حقيقية ( ولعل التركيز على تنمية جهوية متكاملة أكثر جدوائية من المحاصصة الاجتماعية)
  • اعتماد استراتيجية إعلامية وتعبوية ناجعة تجسد الإنصاف ومحاربة التمييز ، وتسهم في إضعاف النزعات المتطرفة التي تستفيد من اختلالات المواطنة وتشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل الدولة في محيط إقليمي مضطرب.
  • العمل على جعل احترام القانون ثقافة مشتركة ، من أجل تعزيز السلوك المدني للمواطن في علاقته بالدولة وبالقانون، وهو ما يجب أن تضطلع به جميع مؤسسات الإعلام والتربية والتنشئة الاجتماعية.
  • تثمين المنتج الثقافي من متاحف وفنون شعبية وآداب شفهية من حيث هي إطار فاعل لتوطيد الوحدة الوطنية، وقيمة من القيم التي يمكن للدبلوماسية أن توظفها للتعريف بالوطن.
  • الاهتمام بكتابة التاريخ الوطني من أجل التأسيس لذاكرة وطنية مشتركة تكرس انسجام مكونات المجتمع ووحدته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى